موقع منتديات نور الزهراء الساطع
أهلا وسهلا بك ضيفنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمــات، . كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.

تفسير منة المنّان ـ الجزء الثاني ـ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تفسير منة المنّان ـ الجزء الثاني ـ

مُساهمة  المدير العام في الأحد يناير 30, 2011 11:47 pm

مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن
تأليف : السيد محمد الصدر
الجزء الثاني


: سورة العصر+ النصر + الفلق + بحث في نظرية الأسراء والمعراج للسيد
بسم الله الرحمن الرحيم)
إِذَا
جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي
دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً َسَبِّحْ بفِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ
إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) (النصر)
في اسمها عدة اطروحات اتضحت أسبابها مما سبق :-
أولا : النصر
ثانيا: الفتح
ثالثا: السورة التي ذكر فيها النص أو التي ذكر فيها الفتح
رابعا: إذا جاء
خامسا : رقمها في الترتيب الموجود للقرآن الكريم وهو :110
سؤال/ما معنى (جاء)في قوله تعالى Sadإِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ )؟.
جوابه:
معناه :حصل الفتح وحدث,و المراد أما المجيء في الزمان.أو بتقدير
الزمان..يعني إذا جاء يوم الفتح أو زمانه . أو يراد به المجئء المعنوي وهو
الحصول والتحقيق نفسه .وهو تعبير أخر عن الخلق في قوله تعالىSad
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شديد)(الحديد:25) فسمي عملية الخلق
بالتنزيل ,أي من العالم الأعلى إلى العالم الأدنى .وكلمة جاء هنا متضمنة
لنفس هذا المعنى .
سؤال : ما الفرق بين النصر والفتح ؟
جوابه :لاشك انهما مختلفان لغة ومفهوما . وأرد تعالى التنبيه على كلا المفهومين و يمكن تصورهما على عدة مستويات :
الأول
: أن يكونا معا في الدنيا ، وهذا هو المنحى التفسيري المشهوري أو ( المادي
) فيكون النصر مقدمة ً للفتح ، وربما خصوه بفتح مكة .
الثاني : أن
يكونا معاً في الآخرة أي النصر المعنوي والفتح المعنوي . ويكون النصر على
النفس الأمارة بالسوء . ويكون الفتح بمعنى فتح العقل وامكانية الفهم وتلقي
العلوم, سواء ,كان ذلك من الظاهر أو من الباطن . قال تعالى
(أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ
بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) (البقرة:76) أي بما فتح الله علماً من المعارف
والعلوم ،لا بمعنى فتح مكة . وإذا كان الفتح متزايدا وعميقاً في العقل,
فهو الفتح المبين قال الله تعالى (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً
مُبِيناً) (الفتح:1)
الثالث : أن يكون أحدهما دنيويا والأخر معنوياً
أو أخروياً , وعلى هذا المستوى يكون المعنى : أن تنتصروا انتصاراً دنيوياً
نفتح لكم فتحاً معنوياً ,إلا أن وحدة السياق تأبى هذا الوجه وتدعم أحد
الوجهين السابقين .
والفرق بين النصر والفتح هو : أن النصر يتضمن
المقدمات بينما الفتح يتضمن النتائج ولذا قيل : الهدم قبل البناء , كما في
هدم العقائد الفاسدة , فأنه ليس بالأمر اليسير بل يتم بالتسديد الإلهي
والرحمة الإلهية .
وعلى أي حال فكل فتح يحتاج إلى مقدمات, واهم مقدماته
: النصر وأزاله العوائق, وهذا معنى سار في كل فتح ونصر , سواءٌ أكان ماديا
أو عسكرياً أو عقلياً أو نفسياً أو في أي عالم خلقه الله تعالى .
سؤال : هل المراد فتح ونصر معين أو كلي ؟
جوابه: أن في ذلك عدة أطروحات :
الأطروحة الأولى : أن المراد به فتح مكة , وفي ذلك نقطة ضعف ونقطة قوة ,
أما
نقطة ضعفه: فهي مخالفته للرواية(3) على أن هذه الصورة نزلت قبل وفاة
النبي(ص) بسنتين , في حين أن فتح مكة وقع قبل ذلك بعدة سنوات , ومن
المستبعد أن يكون البعد الزماني كبيراً بين فتح مكة ونزول السورة إذا كانت
قاصدةً له, ومعه تكون تلك الرواية مخلفة لظاهر القرآن الكريم ، فتسقط عن
الحجية , لان ذاك البعد الزماني يكون كالقرينة على أن المقصود معنىً أخر ،
بالقياس الاستثنائي .
ونقطة القوة فيه : استعمال لفظة ( الفتح )
الدالةُ على أن مكة المكرمة كانت محصنةً بالسور أو بالقوة الكامنة فيها .
ولم يحصل مثل هذا الفتح في عصر النبي (ص) إلا لمكة , وتكون الآلف واللام
عهديه, أي إشارة إلى ذلك الفتح الرئيسي , واما فتح المدينة المنورة فلم
يحصل بالقوة بل بالصلح .
وبذلك تندفع تلك الرواية المشار أليها
باعتبارها مخالفةً لظاهر القرآن الكريم ,ويتعين كون السورة بناءاً على هذه
الأطروحة, نازلة بعد فتح مكة مباشرةً .
الأطروحة الثانية : أن يراد
الإشارة إلى واقعة مهمة ، ولكنها مجهولة . تصحيحاً للروايات المروية في
المصادر العامة (1) : بأنها نزلت قبل وفاة النبي (ص) بسنتين وهذا في نفسه
مستبعد . الآن تلك الحادثة إذا كانت مهمة حقيقية كانت مروية ومعلومة
تاريخياً ولا يمكن لها عادة أن تكون مجهولة .
الأطروحة الثالثة :أن يراد بالنصر والفتح, معناهما لكي يقابل بالانطباق على كل نصر وفتح ,وهذا معنى جيد , وان أستبعد الطبطبائي (2 )
أن
قلتَ: أن فهم المعنى الكلي مترتب على كلية اللفظ ، كما في الفتح أن كانت
الآلف وللام فيها للجنس , ولكن ذلك مفقود في ( نصر ) فأنها نكرة لا تفيد
الشمول .
قلتُ : أن كلمة (نصر ) مضافة إلى معرفة ، فتكون قابلة للشمول
والإطلاق , ولعل اوكد من إطلاق الآلف واللام ، لان الآلف واللام يحتمل
فيهما العهدية . ولكن ينعقد سياق واحد من اللفظيين على كون ( الفتح ) أيضا
يراد بها المعنى العام . فيكون ذلك قرينة على أن الألف واللام جنسية لا
عهدية ، بجعل ما هو متيقن قرينة على ما هو مشكوك ، كما هو مقرر في علم
الأصول . وبعد ضم ذلك إلى ما قلنا من شمول الانتصارات الدنيوية على
مراتبها والفتوحات الأخروية على مراتبها أيضاً ، يثبت الشمول بكل ذلك .
وقوله
تعالى :َرَأَيْتَ النَّاسَ (النصر:2) يراد بها الثبوت لا الإثبات بالخصوص
,أو يراد بها كلتا المرتبتين معاً ، يعني الإثبات المطابق للواقع والموافق
للثبوت . ومفهوم
1) نفس المصدر والصفحة -- 2) ج20 ص 376 --3) تفسير الرازي ج32 ص 155

الإثبات هو ظهور المُطابقي ,أما مفهوم الثبوت ، فهو دخول الناس في دين الله سواء حصلت الرؤية لهم والتعرف عليهم أم لا .
أو يكون المرادالمعنى الشامل للإثبات والثبوت,يعني :إذاSadرأيت النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً ) وكانت رؤيتك صادقة (َسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ)
وهذا
نظير قوله تعالى : ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
(البقرة:185) . يعني الجمع في شهود الهلال بين الإثبات والثبوت , يعني
الرؤية المطابقة للواقع .
سؤال : ما هو محصل قوله تعالى : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ؟
جوابه :أن جملة ( إذا جَاءَ ) جملة شرطية يراد بها جعل آمر في طرف جواب الشرط بذكر الله سبحانه بالتسبيح والحمد والاستغفار.
ولكن يمكن أن نعقد لها دلالة التزاميه على كونها إخبارا عن حصول النصر , وذلك على مستويين :
المستوى
الأول : أن يكون إخبارا عن الماضي أي أن فتح مكة قد حصل , وقد رأيت الناس
يدخلون فعلاً في دين أفواجا ,فسبح – أذن – بحمد ربك .
المستوى الثاني :
أن يكون أخباراً عن المستقبل . سوف يحصل ذلك ، وعند ذلك سبح بحمد ربك
واستغفره , ونظيره قوله تعالى (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ
وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (الروم:3) (فِي بِضْعِ
سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ
يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) (الروم:4) بِنَصْرِ اللَّهِ (الروم:5) ولكن هذا
، إذا فهمنا من النصر والفتح ، المعنى الجزئي , سواء كان حاصلاً في الماضي
أو يحصل في المستقبل ,غير أن الأمر ليس ينبغي أن يكون على ذلك , ومن أهم
القرائن على نفي ذلك ما يسمى بأخبار الجري , وهو ما ورد (3) عن المعصومين
( عليهم السلام ) : أن القرآن حي لم يمت ، وأنه يجري كما يجري الليل
والنهار ، وكما يجري الشمس والقمر , ويجري على أولنا كما يجري على أخرنا .
فمن
هنا لا ينبغي لنا أن نفهم من القرآن الكريم في أي موضوع معنى جزئياً , بل
يتعين فهم المعنى الأوسع والاهم , فأذ فهمنا المعنى الكلي ، يعني : أي نصر
وأي فتح , فكل نصر وفتح حصل في الماضي أو يحصل في المستقبل فهو سبب
لانطباق جواب الشرط بذكر الله وحمده واستغفاره .
وهذا من قبيل التبوء ،
ولكن ليس تنبؤاً جزئياً , ومن أوضح مصاديقها واعظمها ظهور الإمام صاحب
الآمر (عج) , وأنه يملأ الأرض قسطاً وعدلأ ، كما مُلئت ظلماً وجورا،ً فهو
نصرٌ من الله وفتح .
سؤال : ما المراد بدين الله ؟
فأنه قد يقال :
ان المجتمع المعاصر لنبي (ص) لم يدخلوا في دين الله الواحد ، أي الواقعي ،
لانهم كانواغير ممحصين وجهلة ,بدليل قوله تعالى ( أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ
قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) (آل عمران:144) ومن يُحتمل فيه
الظلال لا يمكن أي يكون متكاملا في الإيمان
.-3) البحار ج 35 ص 404
جوابه : من عدة وجوه :
الوجه
الأول : إن المراد من دين الله : إظهار الشهادتين ، وهو ما حصل ، فعلا ،
عند فتح مكة وبعده ودخول الناس أفواجا في دين الله بهذا المستوى .
الوجه
الثاني : المراد منه الدين الذي يوصف بأوصاف محدودة من دون حاجة الى
التقيد بقيود كثيرة . ونريد به إظهار الشهادتين مع شيء من الالتزام بطاعة
الله ، وطاعة رسوله . وهذا أيضا قد حصل .
فأن قلت : لكنهم أنقلبوا على أعقابهم بعد ذلك .
قُلتُ
: أن هذا من الإيمان المستودع ، يزيله الإنسان من سوء أفعاله باختياره .
وهذا لا ينافي أنهم قد دخلوا في دين الله بشكل معتد به . وليس بمجرد إظهار
الشهادتين .
الوجه الثالث : أن المراد من دين الله : الدين الخالص أو الواقعي . وهؤلاء الذين دخلوا به هم القلة من البشر.
ولكن
إذا فهمنا أن المراد هو الأجيال المتعاقبة من أول الإسلام إلى يوم القيامة
، فسوف يدخلون في دين الله أفواج من المؤمنين . فيكون ذلك مصداقاً كافياً
للآية الكريمة .
فأن قلتَ : أن قوله : ورأيت ظاهر في كونه في حياة النبي (ص)
وجوابه :
أولاً
: أننا إذا قلنا : إن رأيت مخصوص بالنبي (ص) ، فتكون بمنزلة القرينة
المتصلة على أن المراد بدين الله هو الدين الظاهري ، الذي يتناسب مع عامة
الناس
ثانيا : إن يكون المراد به غير الرسول (ص) وان كان هو المخاطب
بالمباشرة بنحو قول الشاعر : إياك اعني وأسمعي يا جاره . أو أن المراد هو
الرسول وغيره .
ثالثا : أنه (ص) يرى الأمور في كل زمان ومكان باعتبار
حقيقته الواقعية وروحه العليا التي هيئ خير الخلق واشرفه , إذا توجد حيث
لا يوجد مكان ولا زمان فيكون هو المخصوص بالخطاب .
قوله تعالى : فسبح بحمد ربك واستغفره
ويمكن أن يعرض السؤال عن المناسبة بين النصر والفتح من جهة ، والتسبيح والاستغفار من جهة أخرى ، على شكلين :
الشكل الأول :
إن التسبيح والحمد والاستغفار مطلوب على كل حال فما هيئ علاقته بالنصر خاصة ؟
جوابه : من وجهين :
الوجه
الأول : أن الآيات الكونية والحوادث المهمة ، ينبغي زيادة ذكر الله تعالى
فيها ,لان دوال على قدرته وعظمته , إذا من المحتمل إنها جاءت للتمحيص أو
للعقوبة أو البلاء ، ولذا كرر سبحانه وتعالى كثيراً في كتابه الكريم
(لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (آل عمران:72) و( لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)
(البقرة:221) وغير ذلك . وكمصداق لذلك : ( صلاة الآيات وصلاة الاستسقاء
وصلاة الجنائز ) , فأن هذه الأمور تذكر بوجود الله وبعظمته , قال تعالى
((فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ
الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ
(يونس:22) وهكذا حال النفس الأمارة بالسوء ، لا تذكروا الله إلا في البلاء
. وأما في الرخاء فهي لاتعرفه . والنصر والفتح نحو من البلاء . فلا بد من
التسبيح والحمد والذكر ، دفعاً لسوء النفس الأمارة , ولأنها عطاء مباشر من
الله سبحانه وفضل منه ونعمة .
الوجه الثاني : ليس المراد أيجاد أصل
التسبيح والاستغفار لكونه موجوداً حتماً لدى المؤمن , وأنما المراد زيادة
, وانما عبر بذلك , لانه ينبغي له الزيادة في ذلك , بحيث يكون السابق
عليها ملحقا بالعدم فكأنه لم يكن يستغفر أصلاً .
الشكل الثاني :
لماذا التسيبح والاستغفار مع العلم أن المحل محل الشكر على النعمة ؟
جوابه : لا أكثر من وجه واحد :
أولاً
: ما ذكره الرازي (1)في هامش العكبري : قال : قال أبن عباس (رض) : لما
نزلت هذه الصورة على النبي (ص) أنه نُعيت إليه نفسه وقال الحسن : أعلم أن
النبي (ص) أنه قد اقترب أجله ، فأمر بلا تسبيح والاستغفار والتوبة ، ليختم
له في أخر عمره الزيادة في العمل الصالح , وكان يكثر من قوله : سبحانك
اللهم اغفر لي انك أنت التواب الرحيم . وعن أبن مسعود (رض) : أن هذه
السورة تسمى : سورة التوديع . وروي أن النبي (ص) عاش بعد نزولها سنتين .
أقول أن هذا لا يتم لعدة أمور:
أولاً : عدم ثبوت هذه الرواية سنداً .
ثانياً
: انه لا يفسر الارتباط بين النصر ،والاستغفار . فيبقى جواب الشرط غير
مرتبط بفعل الشرط وما خالف ظاهر القرآن الكريم فهو باطل .
ثالثاً : اذا كان المراد فتح مكة ، كما عليه مشهور المفسرين فهو قد حصل قبل وفاة النبي (ص) بأربع أو خمس سنين لا بسنتين ظاهراً .
رابعاً : يحتمل أنها نزلت قبل فتح مكة ، فتزداد بعداً عن سنة وفاته (ص)
وذلك لقرينتين :-
أولهما :- نقل ذلك في رواية أخرى (2)
ثانيهما: إن (إذا) أستقبالية تقلب معنى الفعل الماضي – وهو جاء – إلى الاستقبال , ليكون ظاهره التنبوء لحصول النصر في المستقبل .
خامساً : أنه ليس فرداً عادياً لينسى الموت , كي يكون من الحكمة تذكيره به ، وحذا على زيادة العمل قبله ُ .
سادساً
: أن النبي (ص) معصوم ، فلا تحتاج وفاته – لو صح التعبير – الى مزيد من
الاستغفار والتسبيح . ويكفي أن نتذكر أنه قد نص القرآن الكريم على غفران
ذنوبه أكثر من مرة :
==========
1) ج2 ص 159

2) أنظر في ظلال القرآن ، ج30 ، ص 276 عن البخاري .
.............
وقوله تعالى (ليغفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ )( الفتح 2)
وقوله سبحانه منها قوله تعالى وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ لَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ) (الشرح:3)
ثانياً:
من الجواب على الشكل الثاني من الإشكال : أن الفصل بين التسبيح والاستغفار فلكل منهما مبرراته .
أما التسبيح فله أكثر من وجه .
أولاً
: أنه مصداق للشكر،للشكر مصاديق كثيرة منها : التسبيح وكذلك للحمد مصاديق
كثيرة منها التسبيح .، كما نقول في ذكر الركوع والسجود : سبحان ربي العظيم
وبحمده .

ثانياً : أن النعم المذكورة في السورة آيات عظيمة لله
سبحانه تعالى , ويكفي في تصور عظمتها أن فيها تطويعاً لهذا المقدار الضخم
من الناس . مع ما فيهم من نفوس أمارة واهداف دنيوية وجهل ديني . وهذا
التطويع يدل على عظمته . فأن النفس مهما كانت صعبة المراس ، إلا أنها
خاضعة للتطويعه سبحانه من حيث لا تعلم فناسب ذلك وجود التسبيح .
ثالثاً
: أن يكون المراد بالتسبيح ، فهم معناه من حيث إدراك عظمة تلك النعم
وأهميتها والتفكير بها , فأنه مصداق من التذكير في خلق الله سبحانه ،
المطلوب في القرآن الكريم قال تعالى : (َيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً
سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:191) .
أما الاستغفار فله أيضا أكثر من وجه :
أولاً
: - الاستغفار لامته كما قال تعالى : (َلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا
أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ
الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) (النساء:64)
ثانياً : - الاستغفار للتائبين والداخلين جديداً في الإسلام , في السورة .
ثالثاً :- الاستغفار مما قد حصل في مقدمات هذا الفتح من تقصيرات ونحوها .
فأن قلتَ أن النبي (ص) معصوم والمعصوم لا ذنب له .
قلنا : نعم ، ولكنه كان يشعر بينه وبين ربه بذنوب ( دقّيّة ) وبعض أشكال التقصير.
المنظور إليه من أعلى , فلا بد من الاستغفار منها .
قوله تعالى : (ِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) (النصر:3) .
كان هنا للشأنية لا لماضوية . كما ذكرنا في علم الأصول . والقرينة على ذلك أمران:
الأمر
الأول : قرينة عامة : وهو أنه سبحانه لا يحتمل تبدل شأنه من حالة الى أخرى
فنعلم أنه ثابت في الماضي وفي الحال والمستقبل , يعني أنه توجد قرينة
عقلية قطعية على استمرار صفاته أ زلياً , فلا يصدق في حقه (كان ) إذا كان
المراد منها الماضي .
الأمر الثاني : وهي أوضح عرفاً وعقلائياً ، فان
قوله : إذا جاء وقوله : رأيت الناس ، وقوله : فسبح . كلها تدل على
الاستقبال ,فلا يمكن أن يكون قوله : أنه كان توابا ، للماضي . مضافاً الى
أن طاعة الأمر لا يمكن أن تكون إلا استقبالية , ولا تكون حالية ، أي في
حال الأمر , ولا يمكن اجتماعه مع ما هو ماضي ، بطبيعة الحال ,فحتى مع فرض
التنزل عن القرينة العامة ، فأن السياق الاستقبالي للسورة يعين بالقرينة
المتصلة أن المراد ب ( كان ) : الشأنية .
وقوله : توابا ، صيغة مبالغة ، ويمكن ملاحظتها من جهتين :
الجهة الأولى :
من
ناحية مادتها وهي التوبة .وتحصل من الطرفين : ممن العبد وربه . كقوله (1)
: من تاب تاب الله عليه فتوبة العبد هي التنصل عن الذنوب . والتوبة من
الله هنا الستر على الذنوب واعتبارها كما ورد (2) : التائب عن الذنب كمن
لا ذنب عليه . قال الراغب (3) : والتائب يقال لباذل التوبة ولقابل التوبة
فالعبد تائب الى الله والله تائب على عبده . والتواب : العبد كثير التوبة
وذلك بتركه كل وقت بعض الذنوب على الترتيب حتى يصير تاركاً للجميع . وقد
يقال لله تعالى ذلك . لكثرة قبوله توبة العباد حالاً بعد حال . أقول :
ومنه قوله تعالى (إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً) (النصر:3)
الجهة الثانية :
من
ناحية هيئة الكلمة ، من حيث كونها صيغة مبالغة . وهنا يمكن طرح سؤال :
لماذا أستعمل صيغة المبالغة ولم يستعمل صيغة أسم الفاعل . أعني : تائب ؟
جوابه : من عدة وجوه :
الوجه الأول :
اختلال السياق اللفظي والنسق القرآني ، كما هو واضح .
الوجه الثاني :
أ
ن فعل المضارع ( يتوب ) وان أمكن انطباقه على الجهتين : باذل التوبة
وقابلها . إلا أن أسم الفاعل ( تائب ) أقل ظهوراً في ذلك , بل هو ظاهر
بباذل التوبة ، وهو العبد ، إلا أن يقيد بقرينة , مثل أن يقال : أن الله
تائب على عبده . وإلا فظهوره في العبد مما لا ينكر . في حين أن المقصود
المتكلم في القرآن كون الله سبحانه هو التائب . وهذا لا يكون إلا صيغة
مبالغة .
الوجه الثالث : أن صيغة المبالغة تفيد أمرين :
- أحدهما
: أنه سبحانه سريع التوبة وكثيرها . والمراد أنه يتوب ويغفر وأن كانت
الذنوب كثيرة ، وأنه لا يأس من رحمة الله . فليس الله تائباً عن عبده مرة
أو مرتين , بل كثير التوبة عنه والرحمة له .
- ثانيهما : الاستقبالية
. فلو قال : تائباً : لم يكفِ , لان المراد وقوع الاستغفار لافي الماضي .
والسياق كله للأستقبال . كما عرفنا . فتكون الأنسب صفة المبالغة . فأن قلت
: أن هذه العبارة مربوطة بالاستغفار فقط , دون ما قبله .
قلت :
1- نعم , لا بأس بذلك .
2- يمكن أن يكون ما قبله كله نحواً من الاستغفار ومصداقاً له وهو التسبيح بالحمد ,فيكون التواب مربوطاً بالجميع .
----------------------------------------------------------
1) البحار ، ج6 ص28 .
2) أصول الكافي : ج2 ، ص 435 .
3) المفردات : مادة ( رغب ) .
الوجوه الأعرابية للسورة

قال أبو البقاء العكبري : (1) قوله تعالى : ( يدخلون ) حال من الناس و( أفواجاً) حال من الفاعل في يدخلون .
أقول
: يكون المعنى : ورأيت الناس حال كونهم يدخلون حال كونهم أفواجا . ونعرض
فيما يلي أطروحة في أعراب ( يدخلون ) . بعد الالتفات إلى أن رأى تنصب
مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر فلو حذفت ( رأيت) كان الناس مبتدأ ويدخلون خبره
فلماذا لا تعرب الآن على أنها في محل نصف , مفعولاً ثانياً ؟
أن قلت : هذا مختص برأي القلبية لا الحسية . فأنها تنصب مفعولاً واحداً , فتعيين الجملة في كونها حالاً .
قلت
: نعم , هذا الأشكال إذا كان المراد بالدخول الدخول ( الحسي ) ولكن من خطل
القول اعتبار دخولهم في دين الله دخولاً مادياً أو حسياً . وأن كانت
رؤيتهم كذلك , فتكون هذه صغرى للدخول المعنوي . وتكون ( رأيت ) صغرى
للرؤية القلبية . ومن ثم يتعين أن تنصب مفعولين . فتكون جملة ( يدخلون )
مفعولها الثاني .
أما الكبرى , وهو الحديث عما ذكره النحويون من أن
رأى القلبية تنصب مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر . ورأى الحسية تنصب مفعولاً
واحداً ,إذا كان بعده منصوب تعين كونه حالاً , وأن كان في الأصل خبراً .
فهذه الكبرى قابلة للمناقشة ضمن أمور :
الأمر الأول :
ما المانع من القول : بأن رأى القلبية تنصب مفعولاً وأحداً ؟
المانع
عن ذلك في نظرهم المادي : أن الرؤية القلبية متعذرة لشي معين أو قل لمفعول
واحد . فلا يمكن القول : رأيت زيدأ ونريد به الرؤية القلبية .في حين أن
القرآن قد أستعمل ذلك . قال تعالى (وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ
وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) (لأعراف:198) .
فينظرون بالحس المادي ولا
يبصرون بالحس المعنوي . يعني أنهم لا يفقهون مستوى النبي (ص) وعقله وحكمته
وكونه مدينة العلم . فهم يرونه ولكنهم لا يعرفونه . وعليه فأن رأى القلبية
يمكن أن تنصب مفعولاً واحداً كالحسية تماماً .

الأمر الثاني : ما المانع من التخيير بين المفعول الواحد والمفعولين ؟ وكلاهما ممكن .

فأذا
قصد المتكلم منصوباً وأحدا , أمكنه الاقتصار عليه سواء كان الرؤية مادية
أو معنوية . وإذا قصد المتكلم وجود مفعولين يعني إدراك الصفة , جاء
بمفعولين , سواء كان ذلك الإدراك مادياً أو معنوياً فيكون المنصوب الثاني
في قولنا : رأيت زيدا طويلاً مفعولاً ثانياً , كما في قولنا : رأيت زيدا
عالماً .
الأمر الثالث :

أننا وجدنا أن رأى الحسية تأخذ
منصوبين والعرب قد أستعملوها هكذا , ولم يفسروها .فالمنصوب الثاني يمكن أن
يكون مفعولاً , كما يمكن أن يكون حالاً أو نحوه .وهذا كله معقول بعد
ملاحظة هذه المُقدمات .فيكون المنصوب الثاني في قولنا : رأيت زيداً عالماً
, حالأ . كما في قولنا : رأيت زيداً طويلأ .
فأن قلت : أننا حتى لو سلمنا بذلك , فأن الآية ظاهرة بالحالية .
قلنا
: أننا بعد ان رجحنا أن (رأيت) في الآية الكريمة قلبية , وهي صغرى سبق
ذكرها .يتعين أن تكون جملة ( يدخلون ) مفعولأ ثانياً . فأن أعربناها حالأ
فقدت رأى القلبية مفعولها الثاني .
وعلى أي حال , فمقتضى القاعدة أن جملة ( يدخلون ) مفعول ثان ومقتضى الظهور أنها حال . فأي من الظهور ين نقدم ؟

وجوابه
: أننا ان كانا متمسكين بالقواعد النحوية , فتقديم المفعولية أولى . والأ
فالظهور أولى . لان ظهور القرآن حجة . فيتعين أن تكون حالأ , وهذا هو أقرب
إلى الوجدان .

هذا بعد ضم جانب الكبرى وهو إمكان أن تنصب رأى القلبية مفعولا وأحداً , كما قلنا الى جانب الصغرى وهو ظهور الجملة بالحالية .

والحمد لله رب العالمين

محمد محمد صادق الصدر

من كتاب منة المنان للسيد الشهيد (محمد الصدر (قد)

(( سورة العصر ))
بسم الله الرحمن الرحيم
والعصر
إن الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ إِلَّا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ
وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) صدق الله العلي العظيم
في تسميتها عدة اطروحات :
الأولى : العصر , وهو المشهور .
الثانية: الإنسان , وان كان المشهور أن سورة الإنسان هي سورة الدهر ولا ينبغي تسمت سوريتين بأسم واحد .
الثالثة
:أنها أيضاً سُميت بسورة الخسر .غير أنه ليس بصحيح لان الانطباع العام فيه
فاسد قطعاً . وذلك لان الإنسان المُعاند ضد الحق , هو الذي يكون في خسر ,
ولا يمكن أن تكون السورة للخسر .بل ينبغي أن يكون اختيار محترماً.
الرابعة :السورة التي ذكر فيها الإنسان أو التي ذكر فيها العصر , وذلك: على طريقة الشريف الرضي , في حقائق التأويل .
الخامسة: إن نسميها باللفظ الأول , فيها :والعصر . ويُنطق عادة بالكسر لا بالوقف .
السادسة :أن نعطيها رقمها من المصحف الشريف . وهو :103,قوله تعالى :والعَصرّ .
الواو
للقسم, والعصر مُقسم به أو مدخول القسم .وقد كان سيدي الوالد (قدس سره)
يقول : أن الخلق يقسمون بالخالق .والخالق يقسم بالخلق . ويختار لقسمه بعض
الأمور العجيبة أو المهمة . وهنا قد اختار الله سبحانه للقسم شيئاً مهماً
وله درجة من الاعتبار حسب الحكمة الإلهية ,وهو ( العصر )
سؤال :ما معنى العصر ؟
جوابه : حسب فهمي ,أن المعاني الأصلية في اللغة اثنان :
أحدهما : الزمان, في الجملة .
ثانيهما :العصر , بمعنى إخراج الماء . وهذا لم يخطر في أذهان المفسرين أصلاً .
ثم
إن الآلف واللام , أما أن تكون عهدية واما أن تكون جنسية . فأذا التفتنا
إلى المعنى الأول , وهو الزمان ,كان للاستعمال في السورة , عدة معان
حقيقية أو مجازية :
المعنى الأول :الدهر , بما فيه من عجائب دالة عاى قدرته تعالى .والآلف اللام عهدية , إلى مجموع الدهر .
المعنى
الثاني :حقبة من الدهر ,وهذا هو الأنسب لغةً .ومعه قد تكون الآلف اللام
عهدية .وقد تكون جنسية. فهنا نفرض كونها جنسية , ويكون المقصود المعنى
المطلق لحقب الدهر .
المعنى الثالث: حقبة معينة من الدهر ,بالذات
,وتكون الآلف اللام عهدية , كل ما في الأمر أنها ينبغي أن تكون مهمة ,
كعصر النبي (ص) أو عصر الظهور أو عصر بني أمية أو عصر الغيبة الكبرى ،
وأهميته أما لحُسنه وعدله أو لسوئه .
المعنى الرابع : وقت العصر من
النهار , وله أصل لغوي , ولكن ليس له أهمية تذكر .وعليه فتكون تلك قرينة
على عدم أرادته . وخاصة مع عدم انحصار,كما هو معلوم .
المعنى الخامس : ما يوجد في وقت العصر من الفريضة المعروفة . أعني صلاة العصر .
وفيه : يحتاج إلى تقدير , والحمل على الحقيقة أولى بطبيعة الحال . فيكون ساقطاً من هذه الجهة
هذا كله بناء على المعنى الأول , وهو الزمان .
وأما
إذا التفتنا إلى المعنى الثاني ,. وهو إخراج الماء , لم نجد للمعنى
الحقيقي أهمية .وأنما ينبغي أن نلتفت إلى المعاني المجازية . من حيث أن كل
صعوبة بمنزلة العصر . ومن هنا يقال ضغط عليه أي أحرجه ,فبلاء الدنيا نحوٌ
من الضغط على المؤمن لكي يتكامل . قال تعالى : (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ
عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (لأنفال:42)
فهذا
البلاء يُطهره من الذنوب والعيوب . فكأن الماء الخبيث ,يخرج منه ليبقى
بعده نظيفاً , طبقا لفطرة الله الأصلية ( التي فطر الناس عليها ) . وهي
طاهرة ما لم تنجسها الذنوب والعيوب .وهذا لا يختلف فيه الحال في الدنيا عن
الآخرة . سوى قصدنا صعوبات يوم القيامة أو عذاب القبر أو جهنم نفسها
.وكلها نحو من الضغط والعصر .
فأن كان المُراد من الآلف واللام : العهد
,كان إشارة إلى بلاء الدنيا . وان كان المراد الجنس شمل كلا الأمرين.
وكلاهما يدلُ على عدل الله وحكمته وتدبيره . وبالتالي يستحق يُقسم به الله
سبحانه ,كما انه أنسب مع الخُسر الموعود به في السورة للإنسان .
ولكن يمكن القول انتصاراً للمشهور الذي فهم الدهر , بوجوه :
أولاً : أن فهم الدهر في الجملة حقيقي وفهم الضغط مجازي ,والحمل على المعنى الحقيقي أولى .
ثانياً
:التناسب بين المعنيين المذكورين : الدهر والضغط . من حيث أنه قد يراد من
المعنى الأول :الدهر السيئ وعصر البلاء , ويراد بالمعنى الثاني : البلاء
الدنيوي , فيرجعان إلى محصل واحد .
وكلا هذين الوجهين قابل للمناقشة :
أما الوجه الأول فبأمرين :

الأمر الأول : أن الضغط ليس معنىٍ مجازياً للعصر بل هو حقيقي , وضع له لغةً بنحو الاشتراك اللفظي لا المعنوي .
الأمر
الثاني : أن أجراء أصالة الحقيقة خاص بالسامع ولا يشمل المتكلم , فالمتكلم
حر في أن يتكلم مجازاً أو حقيقةً ويكون الأولى في الحكمة هو ما يكون أكثر
أداءً للمعنى لا ما يكون متعيناً في المعنى الحقيقي .
فأن قلتَ : فأن وجود القرينة وعدمها هو المحك في تعين الحقيقة من المجاز بالنسبة إلى المُتكلم والسامع معاً .
قلتُ : هذا مع القول بأن المجاز غلط بدون قرينة على المشهور المنصور , إلا أن بعض أساتذتنا أجازه ,فليس لا بد للمتكلم أن يلتزم بها .
ولكن
محل حديثنا ليس من ذلك ,لان الأمر فيه لا يدور بين الحقيقة والمجاز بل بين
معنيين من المشترك اللفظي ولا شك أن استعماله بدون قرينة جائز خلافاً
للمشهور .
واما مناقشة الوجه الثاني فلأنه مبني على أطروحات معينة
ولكنها غير متعينة , فلو قصدنا مطلق الدهر أو الدهر الجيد ,كعصر النبي (ص)
أو قصدنا من المعنى الثاني : البلاء الأخروي أو ما يشمله ..لم يتفق
المعنيان , فهو اتفاق مبني على أطروحات معينة وفي مورد واحد . واحتماله
ضعيف وخاصة الدهر السيئ .
ويمكن الانتصار للمشهور بكبرى أخرى من حيث
أنه تعالى لا بد أن يختار ما هو الأفضل في اللفظ .حسب الحكمة الإلهية ,
وحيث أن قصد الزمان هنا اصلح دينياً واجتماعيا فيكون هو الأولى .

ولكن
ذلك مطعون صغروياُ , بمعنى إمكان التشكيك في التطبيق على محل الكلام ,
فأنه من قال : أن استعمال معنى الزمان هنا أولى حسب الحكمة الإلهية ؟
فتكون الكبرى غير مُنطبقةٌ على المورد . سؤال : كيف يكون الإنسان في خسر
,كما تنص الآية الكريمة ,وفيها قسم على ذلك ولام التأكيد وحرف الجر الذي
يدل على أن الإنسان في داخل الخسر , مع أن للأنسان مميزات تدل على انه في
نجاة وصلاح وهداية , وفطرة سليمة فكيف يكون في خسر .
ومن مميزاته :
1- عقله ورشدهُ
2- روحهُ العليا التي هي أعلى من الملائكة .
3- نظامه الذي يسير عليه , وخاصة العدل المتمثل بالشرايع السماوية عامةً , والإسلام خاصةً .
جوابه : أن ذلك يكون لعدة وجوه محتملة :
الوجه
الأول : إن هناك قرينة متصلة تدل على أن المقصود بالإنسان ليس مطلق
الإنسان بل بعض حصصه , وتلك هي المحمول :في خُسر , فهو يدل على تحديد
الموضوع فمناسبات الحكم والموضوع تدل على إن الإنسان المُتدني في خسر ,
وليس كل أنسان .
ولكن هذا المقدار غير كافي وان كان صحيحاً كبروياً ,
لأنه يعود إلى القضية التكرارية أو ( في خسر ) وليس الإنسان المُتدني فرجع
الحال إلى التكرار , وسقط الجواب , فتأمل .
الوجه الثاني : هناك قرينة
متصلة أخرى بالسورة وهي قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ يعني أن الإنسان إذا لم يكن كذلك فهو في خسر وهذا صحيح إلا
انه لينبغي الاقتصار عليه , لانه سوف يرجع إلى القضية التكرارية أيضاً لان
ظاهر الآية إن الإنسان الخاسر هو من لم يكن قد عمل الصالحات , والإنسان
الخاسر في خسر فرجع الأمر إلى الدور المضمر , لا الصريح كما عليه الوجه
الأول .
الوجه الثالث : أن الآلف واللام في الإنسان وان كانت جنسية
ألانها يكفي في الجنسية مطلق الكلي لا الكلي المطلق ,فيكفي قصد الحصة منه .
وبتعبير
أخر :أن الآلف واللام تدل على استيعاب مدخولها , ومدخولها قد يكون هو كل
أنسان وقد يكون هو بعضه . فتكون القضية بمنزلة المهملة والمهملة بمنزلة
الجزئية,كما قالوا في المنطق,فكأنه قال:بعض الإنسان في خسر , ولا اقل من
الاحتمال المبطل للاستدلال والدافع للإشكال .
إلا إن هنا غير تام ,لان
احتمال إن يكون مدخولها هو بعض الإنسان , على خلاف ظاهر القرآن , فسقط
الجواب,ورجعت القضية الى قضية موجبة كلية , ولسيت مهملة .
الوجه الرابع :ان نرجع القضية الى موجبة جزئية بأحد تقريبين :
التقريب
الأول : ان نقول :ان مدخول (ال) ليس هو مطلق الإنسان بل هو مقيد بقوله:إلا
الذين أمنوا ... فيكون ذلك على ان المراد بعض الإنسان لا كله , وقد سبق
الكلام فيه .
التقريب الثاني :ان نقول : ان الالف واللام عهدية وليست جنسية , فيرجع الى بعض حصص الانسان .
الاان
هذا وحده لا يكفي , لان ظاهر الالف واللام , والاصل فيها هو كونها للجنس
ولا يمكن حملها على العهدية الا بقرائن حالية أو مقالية مفقودة في الآية .
الوجه الخامس : أن نقول : ان الالف واللام مرددة بين الجنس والعهد , فلا تتعين للجنس ليثبت الإطلاق .
وجوابه : انه مبني على أنه لا دليل على إرادة الجنس ,مع إن الدليل موجود . فان الظهور الأصلي فيها , هو ان تكون جنسية لاعهديه .
ولكن مع ذلك , فأن هنالك قرائن حالية أو مقالية تقرب كون الالف واللام عهديه , وهي ..
أولاً
: الإشارة إلى الإنسان المتعارف الذي نراه ونسمعه .قال تعالى إِنْ هُمْ
إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) (الفرقان:44) . فأن
هذا الإنسان متدنِ عملياً هالك فعلاً . لان 90% من البشر غير مسلمين ,
و90% من الباقي غير مؤمنين و90% من الباقي غير مقلدين أو مقصرون وهكذا .
وهذا مطلب في نفسه صحيح .
ثانياً : إن المعهود هو الجيل المعاصر للنبي (ص) وليس كل جيل، متدني . مع العلم إن هذا الجيل قليل بالنسبة إلى مجموع البشرية .
ثالثاً
: إن نستعمل لغة حساب الاحتمالات , فان أغلب استعمالات الإنسان في القرآن
الكريم يراد بها الإنسان المتدني . وعند ئذ يمكن ان نلحق المورد المشكوك ,
وهو محل الكلام , بالأعم الأغلب وهو الإنسان المتدني .
قال تعالى : (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً) (النساء:28) , )إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً) (المعارج:19)
إِنَّ
الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (ابراهيم:34) ) إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً
جَهُولاً) (الأحزاب:72) ) وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً) (الاسراء:100)
وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً) (الاسراء:67) )قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا
أَكْفَرَهُ) (عبس:17)
)كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى) (العلق:6) .. وغيرها .
وهناك موردان فقط في القرآن الكريم , يراد به الإنسان المتكامل .
الأول :
قوله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4) ,
ونفهم
منها الروح العليا للإنسان , وتلك هي في أحسن تقويم . بل هي احسن الخلق ,
لان مزايها لم تعط للملائكة , فضلا عن غيره . وبها وصل النبي (ص) في
المعراج الى محل لم يستطيع جبرائيل سلام الله عليه . أن يصل اليه . وقال :
لودنوتُ أنمُلةً لاحترقت (1)
الثاني :
قوله تعالى : )وَقَالَ
الْأِنْسَانُ مَا لَهَا) (الزلزلة:3). وظاهره : الإنسان الذي يخاف من حصول
الزلزلة . غير اننا روينا في كتابنا ( 2) ما وراء الفقه ما يدل على أن
المراد بالإنسان هنا هو أمير المؤمنين (ع) . وهو الإنسان الكامل .
(1) المناقب لابن شهر أشوب ج1 ص 155
(2) ج1 ,ق2 , ص 320
سؤال
: ان المستفاد من هذه الآية الكريمة : أن القاعدة هو خسر الإنسان الا ما
خرج بدليل . مع العلم ان قوله تعالى : (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)
(المدثر:42) . بالعكس . أعني نجاة الإنسان بمقتضى طبعه , ولذا تَعجبوا من
دخولهم في جهنم . فما هو الوجه في ذلك ؟
جوابه : أن الاطروحات المحتملة ثلاث :
الأولى : أن الأصل هو الخير . ويكون الشر هو المستثنى والطارئ .
الثانية : الأصل هو الشر , ويكون الخير هو الطارئ بعمل الصالحات ونحوه .
الثالثة : أن كلا من الخير والشر أصليان وأساسيان في الخلقة . وأي منهما كان متبعاً , كان هو المسيطر على نتيجة الإنسان .
وهنا نحاول الاستدلال على الأطروحة الثالثة , لتبرز قيمة الوجهين الأولين من الناحية الواقعية .وما يمكن أن يستدل به عدة أمور :
أولا
: قوله تعالى : (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد:10) .إذا فهنا
الهداية التكوينية لا التشريعية . ويكون المراد : أننا ركزنا في ذاته وفي
روحه النجدين , أي الخير والشر أو قل : الحق والباطل . وماعلى الإنسان إلا
أن يعصي أحدهما ويطيع الأخر ز

وبهذا نجمع بين المضمونين , فتكون
الآية التي ذكرت أن الخير هو المر كوز صادقة , وهي قوله تعالى : (مَا
سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (المدثر:42) . وتكون الآية الأخرى أيضا صادقة :
وهي التي دلت على أن الشر هو المركوز . وهو قوله تعالى : (إِنَّ
الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) (العصر:2) . فأحدهما ناظر الى جانب , والآخر
ناظر الى الجانب الأخر .
ثانياً : أن الأصل الأولي للخلقة هي الروح
العليا , وهي خير ل شر فيه . فالأصل أذن هو الخير .ولكن هذا الخير يقترن
بشر في المرتبة المتأخرة عنه . ولكن ذلك , في نفس الوقت متحقق في المرتبة
المتقدمة على الحياة الدنيا . فتكون الحياة الدنيا مُبتلات بخير سابق عنها
وبشر أسبق منها . وان كان الخير أسبق في نفسه من الشر .
أما كون الإنسان مخلوق على الخير , فابعتبار الروح العليا , واما كونه على الشر , فبتقاريبين :
التقريب الأول :

أن
الشر لا يحتاج في وجوده إلى عمل الشر , بل يكفي فيه عدم عمل الخير .فإذا
لم يعمل الإنسان الصالحات , فهو على شر . فالإنسان أما أن يعمل الصالحات
أو يعمل الشر أو لا يعمل شيئاً . فالأول هو الناجي والآخران هالكان . ومحل
الشاهد : أن الروح الخيرة الأساسية لا تنفع . فانها لو كانت نافعة لأثرت
بحالة الوسط وهي عدم فعل الشر . مع أنه غير كاف في النجاة وأنما ينبغي أن
يقترن المقتضى الأساسي للخير , بالمُقتضى الأساسي للعمل . وهو عمل
الصالحات , لكي تحصل النجاة .
التقريب الثاني :
أن الفطرة الأصلية
للإنسان وان كانت صالحة ,فمقتضى الهداية موجود فيه تكويناً . إلا إن
المقتضى لا يؤثر اللامع عدم المانع . وهو مواكبة العمل مع الفطرة . وأما
إذا حصل المانع لم تحصل النجاة .ولذا قيل : )مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ .
وهذا
مانع عدمي يعني إذا لم يعمل فهو على شر , ولا يتعين أن يعمل الشر ..مضافاً
الى ارتكاز الشر أيضاً في نفسه . فالمانع أصلي أيضاً . وهذا ما تشير اليه
الآية الكريمة Sadإِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) .
سؤال : لماذا أستُعمل حرف الجر : في قوله : (َفِي خُسْرٍ) .ولم يقل : على خُسرٍ أو لخُسر .مثلا .ولماذا لم يقل : أن الإنسان خاسر ؟
جوابه
: ان ( في ) هنا ابلغ . وذلك لانه دخل في الخسر والخسر مسيطر عليه . وليس
مجرد أنه خاسر أو على خسر . وبتعبير أخر : أن ذلك للتركيز : بأن الإنسان
في باطن الخسر ,حقيقة مجازا.لكي تكون له الهمة أن يفتقه ويخرج منه .
سؤال :لماذا أستعمل كلمة : خُسرٍ نكرة لا معرفة ؟
جوابه : أن فيه عدة وجوه من الفهم :
الوجه الأول : أن يراد به الجنس .فكأنه قال :في الخسر . فأن أسم الجنس كالجمع في المعنى .
إلا أنه لا يتم , لانه خلاف الظاهر . لاحتواء الكلمة على تنوين التنكير أو تنوين الوحدة, وكلاهما ضد معنى الجنس .
الوجه الثاني : ان يراد به خسر أجمالي . لعدم تعينه . كأنه أراد أن يقول أن هناك خسر ما سيكون أمامك لا حاجة إلى إيضاحه .
الوجه
الثالث : أن يراد به خسر ما حسب الاستحقاق . فأن كل فرد غير صالح يستحق
نوع من الخسر حسب نوعية السوء في عمله .ولكل عامل خسره الذي يستحقه في علم
الله .
الوجه الرابع : أن يراد به خسر واحد . ولكنه متشابه ومشترك بين
الجميع . وهو خسران النفس . قال تعالى : (الَّذِينَ خَسِرُوا
أَنْفُسَهُمْ) (الأنعام:12) وقال قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ
عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (لأعراف:53) . وهذا معنى مكرر في
القرآن الكريم . وقد أنتبه اليه صاحب الميزان (قد).
فأن قلت : كيف يخسر الإنسان نفسه . مع أن نفسه لا تزول ولا تتبدل ,سواء كان في الجنة أو في النار .
وجوابه
: أن الفرد اذا مشى في طريق الحق واليقين : فهو يربح نفسه . كما ورد :من
عرف نفسه فقد عرف ربه . وذلك بأن يعرف نفسه الحقيقة وروحه العليا .واما
إذا مشى في طريق الدنيا والشهوات,فأنه يخسر نفسه , أي يبقى جاهلاً بحقائق
نفسه وروحه وملاكاته الواقعية .
وشي أخر ينفع للإيضاح في المقام ,
وهو بعض الماديين قالوا :إن تبدل الإنسان من شخصية إلى شخصية أو قلب : من
أسلوب حياتي إلى أسلوب حياتي أخر , صعب بمنزلة المستحيل .وأنا أعتقد انه
صعب وليس بمستحيل . فالذي يغير عمله تتغير شخصيته بالتأكيد . فيكون معنى
الذين خسروا أنفسهم أي خسروا جانب الصلاح في أنفسهم .أو قل : الشخصية
الصحيحة والحقة والتي تتصف بالإخلاص واليقين .
الوجه الخامس : ما أختاره صاحب الميزان (5) من أنه جعل نكرة للتهويل والتعظيم . يعني أنه لو كان بالالف واللام لما أفاد ذلك .
وهذا
قابل للمناقشة, لان التنكير نص أو كالنص بالوحدة , فيكون ظاهراً ,بما
تقتضيه الجزئية أو المهملة على الأقل . ومن الواضح أن الموجبة الكلية أهم
منها . لان محصلها : أنه حائز على كل خسران , فيكون أعظم واشد هولاً .
وبتعبير
أخر : أن التنكير لا يراد به الجنس , بل الواحد . وهذا يحتاج في تتميمه
إلى ضم فكرة أخرى نقول : أن الخسر الواحد أهم من الخسر المتعدد . وهذا غير
معقول . فأن التهويل والتعظيم ؟ فهذا الوجه ساقط . فلو كان هو الوجه
الوحيد كان على خلاف الحكمة .
سؤال :الاستثناء المذكور في السورة , وهو
قوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
)(الشعراء: من الآية227), لا يل على أن المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات في
ربح .مع أن الاستثناء سيق لمدحهم بيبيان مضاد حالم لحال من لم يتناوله
الاستثناء . فكيف حصل ذلك ؟
جوابه : أن الاستثناء وأن لم يدل بصراحة
على رابحون , ولكن أتصافهم بتلك الصفات الأربعة الشريفة يدل على أنهم في
أعظم ربح , مع اننا لو فرضنا انهم ليسوا في ربح , فالمضاد حاصله أيضاً
,لأنهم ليسوا في خسر بمقتضى الاستثناء .
وبتعبير أخر : أن المدلول
اللفظي ليس إلا استثناؤهم من الخسر .وليس لبيان أنهم في ربح ,كل ما في
الأمر أنه يمكن أن نستدل على أنهم في ربح, بوجوده :
أولا :لما قاله
هناك من اتصافهم بهذه الصفات العظيمة وهي أنهم : ) آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(العصر:
من الآية3)
ثانياً : الملازمة في الارتكاز المُتشرعي بين عدم الخسران
والربح لأن الأمر دائر بين الثواب والعقاب أو بين دخول الجنة ودخول النار
ولا وسط بينهما , فإذا لم يكونوا في خسر , بمقتضى الاستثناء فهم في ربح .
ثالثاً
: أن هذه الأعمال مقدمة للربح .والله تعالى أكرم من أن يحجب عنهم مطلوبهم
,فيكونون رابحين لا محاله , وهذا هو الأقرب إلى ظاهر الآية , لانها واضحة
في إعطاء الطريق والمنهج للخروج من الخسر الأساسي الى الربح الأساسي
وأنحسار الطريق به , وهذا هو هدف السورة .
سؤال : ما معنى الحق , في قوله تعالى : ) وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ)(العصر: من الآية3) ؟
جوابه : معناه أحد أمور :
الأمر الأول : أنه عمل الصالحات المشار اليه بالآية ويكون قرينة عليه .
أن قُلت : أذن يكون بمنزلة التكرار .
قُلت : كلا , لان القصد يختلف في الجهتين . فالأول : العمل لنفسة والأخر الايصاء لغيره بالعمل الصالح .
الأمر الثاني :أن الصالحات عمل الظاهر , والحق عمل الباطل
الأمر الثالث : إن الصالحات هو الطاعة , والحق هو التشريع العادل الذي جاء به الإسلام .
الأمر الرابع : ان الصالحات هو فروع الدين , والحق هو أصول الدين .
الأمر الخامس : أن الصالحات هو الطاعة , والحق هو التوحيد الخالص .
الأمر
السادس : أن تكون الباء للسببية , مثل قوله تعالى : مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ
رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (القلم:2) .فيكون معنى الآية ان التواصي يكون بعلية
الحق وتسبيبهُ وهو الله سبحانه , واما مضمون التواصي فمحذوف , يدل عليه ما
قبله وما بعده .
الأمر السابع : أن نفهم الحق مقابل الحكم ., فالحكم
ماعلى الإنسان أن يفعله , أي ما أمر به شرعاً وأما الحق فهو متعلق بالغير
من أحكام ارفاقية بالنسبة إلى ذي الحق , فما تعلق بالفرد حكم وما يتعلق
بالغير حق .
سؤال : قوله تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ مكرر كثيراً في القرآن الكريم ولكنه في هذه السورة مقيد
بقوله : وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:3) فما
هي الحاجة الى التقيد بالتواصي ؟
جوابه :انه ينبغي أن يكون ذلك واضحاً
. لاننا قلنا أن عمل الصالحات لنفسه والتواصي بالحق لغيره , ولذا نبه عليه
بخصوصه . وهذا كما ينطبق على الظاهر ينطبق على الباطن , كما ورد عنهم
عليهم السلام (2)إنما الأعمال بالنيات وورد (2) نية المؤمن خير من عمله
ونية الكافر شر من عمله ,أذن فالأمر الأساسي هو نظافة الباطن .وبأي معنى
فسرنا الحق يكون المطلب ضرورياً .
والحق وحده لا يكفي ,ولكن الاستقامة
والصبر ضروري ,لان عدمه يلازم عدم الحق .فالصبر معناه استمرار الحق إلى
الموت ,ولذا ورد عنهم عليهم السلام (4) عليكم بالصبر , فان الصبر من
الأيمان, كالرأس من الجسد , ولا خير في جسد لا رأس فيه ,ولا في أيمان لا
صبر معه .
فآن الذي يجزع من البلاء الدنيوي أو من الارتداع من المحرمات
فأنه يكون مرتكباً للمعاصي لا محاله ,وأذ جزع من الطاعات , اصبح تاركاُ
لها فيؤول الأمر إلى الباطل والفسق .
.....................
2- الوسائل ج1 ص 33
3-المصدر ص 35
4-نهج البلاغة ج4 ص 18 ( شرح محمد عبده )
(بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ )(الحجرات: من الآية11)
ومعه
ينبغي أن يستقيم المؤمن ويصبر ويصمد إلى حين موته , لكي يحشر على المستوى
الذي مات فيه , فأن الفرد يحشر على المستوى الذي مات فيه أن حقاً فحق وان
فسقا ففسق , ولا يفيد أنه كان مؤمناً سابقاً , وكنه مات فاسقاً فأن هذا من
الإيمان المستودع .قال تعالى : (وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا
وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)(هود: من الآية6).
والعمل
الشخصي ,والصبر الشخصي لا يكفي , بل لابد من ( التواصي ) بأن يوصي بعضهم
بعضأ عن طريق الموعظة والتحذير والتفكير . ونستطيع أن نتصور مجتمعاً
خالياُ من ذلك . فكم سيكون فاسداً ومُتدنياًُ ويكون أفراده في خسر لا محال
.
قال في الميزان (3) :التواصي بالحق أوسع من الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر لشموله الاعتقاديات ومطلق الترغيب والحث على العمل الصالح .
- أقول : أن قلتَ :أن التواصي بالصبر مُستحب , لان الأمر بالمستحب مستحب .
-
قلتُ : الطعن بالصغرى , لان الصبر واجب , لأننا إذا رفعنا الصبر كان
اعتراضا على الله تعالى , ويلزم منه ترك الواجب وعمل المحرم , فيكون
واجباً .
نعم , يكون الصبر في بعض درجاته مستحباً , فلا يكون الأيصاء
به من الأمر بالمعروف الواجب , غير أن المجموع من المستحب والواجب يكون
مستحب , لان النتيجة تتبع أخس المُقدمات . فيكون التواصي أعم من ال

المدير العام
Admin

عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 30/01/2011
الموقع : zahraalight.mam9.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zahraalight.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى