موقع منتديات نور الزهراء الساطع
أهلا وسهلا بك ضيفنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمــات، . كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.

تفسير منة المنّان ـ الجزء السادس ـ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تفسير منة المنّان ـ الجزء السادس ـ

مُساهمة  المدير العام في الإثنين يناير 31, 2011 12:11 am

مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن
تأليف : السيد محمد الصدر
الجزء السادس
مكتب السيد الشهيد الصدر (قد) في عفك
سورة اللهب ( المسد)

في اسمها عدة أطروحات :
أولا : اللهب بصفته لفظا موجوداً خلالها
ثانياً المسد :: بنفس تلك الصفة .
ثالثاً : السورة إلى ذكر فيها اللهب أو التي ذكر فيها المسد . على طريقة ما فعله الشريف الرضي في كتابه .
رابعاً : تَبّتْ . بإطلاق الاسم من أول لفظ فيها .
خامساً ان نطلق عليها رقم في القرآن الكريم رقم 111 .
سؤال : كيف أو لماذا ذكر الله أبا لهب بكنيته دون أسمه . مع أن ذلك إكرام واحترام , مع إن السياق سياق اللعنة والغضب ؟
جوابه : عدة أمور :
الأمر
الأول : ما ذكره الرازي في هامش العكبري (1) من : ( أنه يجوز أنه لم يعرف
له اسم ولم يشتهر إلا بكنيته ) كأبي جهل وأبي لبابة( او أن أسمه موجود الا
ان كنيته هي السائدة بين الناس ) بحيث لا يعُرف الا بها .
الأمر الثاني : انه نقل (2) ان اسمه عبد العزى, في حين أنه في الواقع عبد الله وليس عبداً للعزى , فلو كان على خلاف الواقع .
وبتعبير أخر : إن القرآن لم يذكر اسمه :عبد العزى لامرين :
1- لمانع ثبوتي , وهو مخالفته للواقع , من حيث كونه عبداً لله حقيقة .
2-
لمانع إثباتي أو إعلامي . وهو تعمد حذف أمثال هذه الأسماء من السياق
القرآني .لان في ذكرها شهادة حالية بصحتها وتخليدا لذكرها مع إنها فاسدة
اساساً , وليس حذفها فاسداً , لانه اسم شخص رديء ,وقد ذكر الله سبحانه
عددا من الأشخاص بالكنية , بصفتها اسما ء سوء وان لم تكن أعلامهم الشخصية
, كالشيطان وفرعون .
..........................................................................
(1) ج2 ص 159 .
(2) المصدر والصفحة .

المر
الثالث :ما ذكره الرازي في هامش العكبري (1) من ( أنه ذكره بكنيته
لموافقته حاله لكنيته . فأن مصيره الى النار ذات لهب ) فيكون أبو لهب يعني
الحاصل على لهب جهنم ( وانما كني بتلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما )
أقول : إن لفظة أبي لهب .مناسبة مع حاله الأخروي .فمن اللطيف ان يسبّ بكنيته .باعتباره من المعاقبين في الأخرة .
الأمر الرابع إن اسمه الشخصي أبو لهب .فهو علم وليس بكنيته . لانه لا يوجد له علم سواه ,كما نسمي :أبو الحسن وأبو الخير .
الأمر
الخامس : وهو يشبه الأمر الثالث إلا انه بتبرير أخر , وذلك : لو إننا
اغضضنا النظر عن اسمه ولقبه الدنيويين . فانه تعالى أراد ان يعلمنا أنه
معاقب على أي حال ,فهو ذو لهب في الاخرة , وهو تعبير عرفي شائع . نقول
:أبو البيت وأبو المسجد .
فان قلت : فانه تعالى كناه ولم يكنّ أنبياءه ورسوله . فهل هو أكثر أحتراماً منهم ؟
أقول : من حيث انه كناه . فان كل الأجوبة السابقة ترد فيه .
واما
لماذا سمي أنبياءه . فنقول كفى بالمرء ذاته . مضافا إلى ان المسمِي اعظم
من المسمَّى . فكل الخلق أذلاء تجاه عظمته . ومدحهم ليس مقترنا بأسمائهم
بل بمدى عطائهم واستحقاقهم .
ومن الواضح في الآية الكريمة أي إشعار الى انه اكثر احتراما من الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين .
مضافا
إلى إمكان الطعن بالكبرى التي أخذتها المصادر من مسلمة , كما سبق . وهي ان
ذكر الكنية تعني الاحترام دائماً . فقد لا يكون الأمر كذلك دائماً ,إذ إن
هذا مسلك عرفي حاصل بعد عصر الإسلام , ولم يكن له وجود في عصر نزول القرآن
مهما كان الآن في أذهاننا واضحا.
........................................
(1) المصدر والصفحة .
سؤال
: ما الوجه في تخصيص البد بالتّب , وهو الهلاك والخسران . وقد عزلها من
السياق عن ذاته , ولم يقل : وجهه اولرقبته او اخلاقه ونحو ذلك .
جوابه : لاكثر من وجه :
الامر
الاول : ماذكره صاحب الميزان (1) من ان : يده هي عضوه التي يتوصل بها الى
مقاصده وينسب اليه جل عماله . وتباب يديه فسادهما فيما يكتسبانه من عمل .
أقول : ان يديه كانتا فعلا تؤذي النبي (ص) فخصصت بالذكر ,باعتبارها العضو الرئيسي الذي صدرت منه المظالم والاعتداءات .
ولو اقتصرنا على ماذكره الميزان , كان معناه ان اليدين هي سبب الذنوب كلها , وليست كذلك .
فان العين والبطن وغيرهما سبب للذنوب أيضا ,نعم , ذكرت اليدان , لاهميتهما في مورد التنزيل .
الامر
الثاني :انه ذكر الجزء واراد به الكل . كما عبر عن الانسان بالرقبة في
قوله تعالى :فَكَّ رّقَبَةٍ . فيكون معنى : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ
وَتَبَّ) . انه تب كله .
وينبغي بحسب الحكمة الالهية ان يخص الاول
للبعض والثاني للكل . لأنه قال : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
.وبهذا نجيب على السؤال الآتي :
سؤال : ما الحاجة إلى تب ّ الثانية ؟
جوابه : لامرين :
الامر
الاول : تغير نسق الآية فأنه وان كان حرف الباء موجوداً في نهايات الآيات
. الا ان حذفها –اعني تبّ الثانية – يؤدي الى تكرار ذكر لفظ اللهب مرتين ,
وهو على خلاف الحكمة والبلاغة .
وهذا هو الفرق بين ( القافية ) و (
النسق ) . ففي القافية قد يستعمل نفس اللفظ بمعنيين بخلافه في النسق . فقد
ذكرت ( تب ) الثانية لمنع ذلك , وهو ما حصل فعلا .
الامر الثاني : انه
من عطف الكل على الجزء أي تبت يداه , بل تب كله . لعدم الملازمةبين
تباباليد وتباب الكل .فان المقصو د بتباب اليد هو اعمالها الفاسدة . فيكون
المعنى :تب عمل أبي لهب . ولا ملازمة بين عمله وذاته .كما قلنا ,فان العمل
قد يغفر ,وتناله الرحمة والشفاعة .وعندئذ لا يكون التباب لذاته .الا انه
تب كله تعينت عليه النار . باعتباره غير مستحق لتوبة .
.........................
(1) ج2 ص 384
(2) البلد/13 .
او
نقل ان عمله يستحق عقابا أقل من ذاته . لان أصل ذاته ليست فقط لاذية النبي
(ص) بل لعبادة الاصنام وشرب الخمر , وغير ذلك . فتكون تب الثانية لمجموع
أعماله . فتتعين الاشارة اليها والتصريح بها .
سؤال : في قوله تعالى :
(َما أغنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) . مالفرق بين ماله وما كسب . فان
الذي يكسبه هو المال فلماذا التكرار ؟
جوابه :
اولا : ليس هناك من
محذور من التكرار و ولا مانع من عطف التفسير , على منعى : ماله الذي كسب
.ثانياً :ان " كَسَبَ" بمعنى الفعلف الاختياري ونتائجه , لا بمعنى المال .
فان
الفعل ونتائجه يصدق عليها المال والكسب , وانما يكون مالا باعتبار القدرة
والسلطنة عليه والحيازة له . ومن ذلك ما روي عن النبي هود عليه السلام (1)
حين سئل عن زوجته قال : تلك زوجتي وهي عدوي .وانا أدعو الله لها بطول
البقاء ,لان عدواً أملكه خير من عدو يملكني .فقد عبر عن السيطرة والقدرة
بالملك .ومنه قوله تعالى : (بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ )(البقرة: من
الآية237) .أي تحت سلطنته وقدرته .
فالفعل الاختياري نحو من الكسب ونحو
من المال , حين يكون الفرد قادرا عليه ومتسلطا عليه . وقد تكرر ذلك في
القرآن الكريم . قال تعالى :
(َمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الحجر:84)
(كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)(الطور: من الآية21) )
(ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)(البقرة: من الآية281) )
(ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)(آل عمران: من الآية161)
الى غير ذلك من الآيات .
..........................
(1) انظر نحوه في تفسير علي بن إبراهيم ج1 ص329 .
فمن الواضح من تلك الآيات : ان " كَسَبَ " بمعنى الفعل الاختياري ونتائجه ,وليس بمعنى المال .
ولم
يرد الكسب بمعنى المل في القرآن الا في مورد واحد . وهو قوله تعالى : (
أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ )(البقرة: من الآية267) أي من
المال الحلال , اما بقية الآيات الكريمة , فهي غير ظاهرة بالمال .بل
الظاهر منها ما هو الأعم من فعل اختياري من طاعة وعصيان .
ومن هنا قال
المعتزلة باصطلاح الكسب في علم الكلام , يريدون الفعل الختياري أو نتائجه
الدنيوية أو الأخروية .ولم يوافقهم على إصطلاحهم هذا الإمامية والاشاعرة .
أما
الاشاعرة , فلانهم مجبرة , واما الإمامية ,نفوا الجبر والتفويض , في حين
يكون معنى الكسب أقرب الى معنى الجبر , لان إسناده الى الله سبحانه ,ويصبح
لصيق بالعبد لا يمكن فكاكه هنه . والكلام عنه في محله .
فأن قيل :فأن الكسب في القرآن الكريم مسند الى الفاعل البشري .
قلنا : نعم وهو فعله الاختياري .إلا انه استعمل مجازي. فلا يصلح أن يكون أصطلاحاً , لانه يجب ان يقوم على معنى حقيقي .
اما المال , فمستعمل في القرآن كله بالمعنى العرفي وهو الثروة . قال تعالى :
وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ )(البقرة: من الآية177)
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) (الفجر:20)
الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى) (الشمس:18)
مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ) (الحاقة:28) الى غير ذلك من الآيات .
الا
في هذا المورد من سورة اللّهب فانه قابل للوجهين : المال والكسب ومثله
قوله تعالى : (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) (الهمزة:3)
وعلى أي حال و فكل منهما أطروحة قابلة للتصور والفهم .غير ان الظاهر القرآني هو ان المال هو الثراء . والكسب هو العمل .
سؤال :لماذا وصفت النار بذات لهب .مع ان كل نار هي ذات لهب ؟
جوابه :من وجوه :
أولا : لاجل النسق القرآني ,لنهايات الآيات ,لوضوح انه بدونه لا يستقيم .
ثانياً : وصف النار بذلك وصفا توضيحيا ,لأجل زيادة الإهانة والتنقيص لأبى لهب .
ثالثا:
ان اللهب وان كان ملازما من الناحية العرفية , كبرت أو صغرت .ومن هنا يغني
ذكر أحدهما عن الاخر .كما هو المفروض في هذا السؤال .
إلا إن الواقع ان النار أعم من من ذلك وأوسع مفهوما . فهي تعني الحرارة العالية أياً كان مصدرها .وجهنم مصداق مهم من ذلك .
وقد
ورد (1) ان في كل درك من دركات جهنم ثلاثين الف من أنواع العذاب .. وورد
(2) أن أشد الناس عذابا في جهنم سبعة :خمسة قبل الاسم , واثنان بعده في
توابيت مقفلة .
فالمهم الان انه لايمكن أن يكون اللّهب موجوداً في هذه التوابيت .
إذن,
فالنار ذات اللهب , حصة من جهنم ,او بعض منها .وهي التي يصلاها هذا المشرك
,وقد ورد وصفها في آية أخرى )إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ)
(المرسلات:32) اذن فاللهب والشرر ,قد يكون ضخما جدا كالقصر أو الجمل
)كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) (المرسلات:33) . مع انفجارات تقتضي زمي مثل
هذا الحجم الضخم من النار الى مسافة بعيدة .
سؤال : ان " حَمَّاَ لَةَ " صيغة مبالغة ,وليست أسم فاعل .فلماذا أعرض عن ذكر اسم الفاعل وقال : حمالة الحطب ؟
جوابه : أما من الناحية الكبروية والصغروية .
أما
من الناحية الكبروية , فان استعمال صيغة المبالغة لأجل الدلالة على الكثرة
والشدة .واما اسم الفاعل ,فيصدق على المرة الواحدة ,فيكون على خلاف
المقصود .
وأما ضغروياً : فإنه من الواضح ان المراد ان تلك المرأة كانت كثيرة حمل الحطب دائماً,او في كثير من الأحيان .وهذا يعني :
........................
(1) انظر نحوه في : تفسير علي بن إبراهيم ج1 ص376 .
(2) انظر نحوه في الخصال ص398 .
أولا : انها كانت تحمل الحطب لإيذاء رسول الله (ص) وهي تكثر من ذلك لاجل الإكثار من اذيته .
ثانيا: انها كانت تحمل الحطب كمهنة .أي لتأخذ الأجر عليه ,لا إنها تبيعه وإلا سمّيت حطابة. ولم يرد ذلك في القرآن الكريم .
ويمكن ضم احد هذين الوجهين الى الأخر ,فقد يكون كسبها من حمل الحطب .ولاجل أيذا الرسول (ص) .فهي حطابة من كلتا الجهتين .
سؤال ما هو مؤدى حمل الحطب ؟
جوابه :ان حمل الحطب في الآية يعطي إشعاراً بأمرين :
الأمر الأول : انه يدل على حمل الذنوب والطغيان والعصيان .قال تعالى :
وَقَدْ آتَيْنَاكُن منْ َلَُدنا ذِكْرّا.طه100 (مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً) (طـه:100)
(خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً) (طـه:101)
(وَلَيَحْمِلُنَّ
أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ )(العنكبوت: من الآية13)
)لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ )(النحل: من
الآية25) .
الأمر الثاني : ان فيه إشعارا أيضاً على ان حمل الحطب يؤلم
الظهر .لأنه ثقيل –أولا –وفيه وخز –ثانيا- بل لعله يؤدي الى الدماء
والمضاعفات الصحية .
وحسب النقل التأريخي ,انها –قاتلها الله – كانت
تتعمد ان تأتي بالحطب الذي فيه " سُلائة " لكي يكون أشد إيذاً لرسول الله
(ص) .وهي بهذا العمل كانت تؤذي نفسها وتظلمها بارادة الشر لها ماديا
ومعنويا ,وبالعنوان الآولي وهو الوخز والعنوان الثانوي وهو الظلم . سؤال
:ماهو موطن هذه الصفات المسندة الى تلك المرأة .وهي كونها (( حمالة الحطب
, في جيدها حبل من مسد )) ؟
جوابه : ان هاتين الصفتين اما ان يكونا معاً في الدنيا .واما ان يكونا كلاهما معاً في الدنيا والآخرة معاً .
فتكون الاحتمالات اربعة .فما هو منها الموافق للظهور القرآني بالمقدار الذي يُعدَّ حجة فيه . وما هو المخالف له ؟
الاحتمال الأول : ان كلا الامرين يتحقق في الدنيا .في تحمل الحطب في الدنيا .وفي جيدها –أي رقبتها – حبل من مسد يتعلق به الحطب .
وهذا هو سبب نزول السورة .وهو لا ينافي شيئاً من السياق .
الاحتمال
الثاني : ان يكون الوصف الأول في الدنيا والثاني في الآخرة .فهي حمالة
الحطب لايذاء الرسول (ص) . وفي الآخرة يكون في جيدها حبل . تجرها الملائكة
بواسطته الى النار .
ولكن يرد على هذا الاحتمال اشكالان :
ان : " في
جيدها " جار ومجرور ,ينبغي أن يتعلق بفعل أو شبهه وليس هناك فعل الا قوله
:سيصلى .وفاعله مذكر , والمراد به أبو لهب .ولايمكن ان يتعلق الجار
والمجرور به لأنه مؤنث ,فيكون تعلقه به مفسداً للسياق القرآني .
فإن قلت :ممكن تقديره مؤنث ,ليصلح متعلقاً لجار والمجرور .كانه قال : وستصلى أمرأته حمالة . الحطب .
قلت
: لايمكن ان يتعلق الجار والمجرور بفعل محذوف . ولم يقل به أحد النحويين
فالمتعين ان يتعلق الجار والمجرور , ب" حمالة " أي بهذه الصفة .ولكن يرد
عليه : اننا إفترضنا ان في جيدها حبل من مسد في الآخرة . وهي حمالة الحطب
في الدنيا .فيكون هذا تنافي في المعنى والسياق .
الإشكال الثاني : ان
الحبل الذي يكون من مسد في الآخرة ,أضعف من أن يؤثر أو يمكن ان تجربه
الملائكة ,تلك المرأة الشريرة .فإن الحبل من مسد , يتقطع بسرعة .
فإن قلت :ان حبل الاخرة غير حبل الدنيا , بل هو مناسب مع وجودها الآخروي , فلا يكون قابلا للانقطاع .
قلت :نعم ,ولكنه عندئذ لا يكون من مسد , بل من شيئ اخر .
فإن قلت : أن القرآن سمّاه مسداً .
قلت
:ان المسد هو الحبل المفتول من الليف . فان أخذناه بمعناه الحقيقي او
المادي ,فانه فانه لا ينسجم مع الآخرة كما اوضحنا .وان اخذناه بالمعنى
المجازي ,فهو ينسجم مع الآخرة . ويمكن ان نعطي لذلك اطروحة , كما يلي :
ان
المسد . هو الليف .لكن الذي أفهمه :أم مسدّ أي فرك , والحبل يصنع بالمَسْد
والفرك ,فحبل من مسد . أي حبل ممسود ومفتول . وحينئذ يمكن ان يناسب ووده
في الآخرة .لانه لن تتعين مادته . فقد يكون حبلا مفتولا شديد القوة .
الاحتمال الثالث : ان كلتا الصفتين في الآخرة . فلا يكون دليل على وجودهما في الدنيا .
وقد يدعى وجود الدليل اللفظي على صحة هذا الاحتمال ,وهو ان حمالة الحطب حال من (( تصْلَى )) التقديرية. ولا مرجع لها غيرها .
الا
ان الصحيح : ان الحال يكون من الاسم لا من الفعل . وليس كالظرف والجار
والمجرور . فهو حال من امرأته . وان حالها الدنيوي على ذلك . ومعه ينفي
هذا الاحتمال ,مضافاً الى حال ايذائها للنبي (ص) الثابت تأريخياً .
الاحتمال الرابع :ان يكون كلامها موجود في الدنيا والآخرة .
وهو
الذي ذهب اليه المشور وصاحب الميزان قدس سره . حين قال (1) والظاهر ان
المراد بالآيتين انها ستتمثل في النار التي تصلاها يوم القيامة في هيئتها
التي كانت تتلبس بها الدنيا ..فتعذب بالنار وهي وهي تحمل الحطب وفي جيدها
حبل من مسد .
أقول : وهو معنى له درجة من الوجاهة والإشعار به قائم .
خاصة اذا ضممنا الفكرتين السابقتين .,وهما : ان المراد بالحمالة هو حمل
المسؤولية الذنوب , وان المراد بالليف ما يناسب وجوده مع وجود الآخرة
لكنه
من التفسير الباطني , وليس هناك دليل لفظي عليه .وذلك : لان الحطب هو
الخشب المتكسر . واما التعبير عنه بالذنوب فهو مجازي . والمسد هو الليف أو
الحبل المفتول . فانه ينصرف عرفاً الى الحبل الدنيوي لا الأخروي .ومعه
نحتاج إلى ذوق معنوي في الفهم على انها. اعني المرأة , تحشر على نفس تلك
الهيئة في الآخر .ولا يتعين ذلك بحسب الحكمة الالهية ,ولا قرينة عليه .
الا
انه نفهم انهما معا في الدنيا ويكون السياق دالا على وجودهما هناك . بلسان
الحال , او باعتبار ان الحبل من مسد , انما يكون في جهنم لتجر به تلك
المرأة اليها . وهذا بعيد . الا ان يراد بالمسد شيء آخر مجازاً .خلاف
الظاهر .
واذا تم , فستكون وحدة السياق على ان كلاهيهما هناك . وهذا لا
دليل عليه , بل الدليل على خلافه , كما سبق .مضافاً الى صيرورة وجود حبلين
في الآخرة في عنقها : حبل الحطب وحبل المسد .وهو بعيد .لأنه في الدنيا
واحد .وان حبل المسد هو حبل الحطب . ولكنا تجر في الآخرة بحبل اخر لا
محالة .
فإن مقتضى التشابه بين حالها في الدنيا وحالها في الآخرة ,هو
ان يكون في جيدها حبل واحد تحمل به الحطب وتجر به الى جهنم , وهو ممكن
تصوراً عقلاً .الا انه غير عملي .بل حبل المسد للحطب وهناك حبل أخر تجر به
. وهو مالا يستفاد من الآية بل السياق يعطي وجود حبل واحد .
اذن يرجع القول بأنها تعذب في الآخرة كغيرها من المجرمات , وليس تماماً , كحالها في الدنيا ,كما هو عليه مشهور المفسرين .
........................
(1) ج20 ص385 .
الوجوه الإعرابية في السورة :
(( تَبًَّ )) بكلا وجوديها في السورة , يمكن ان تكون انشاء بمعنى الدعاء , ويمكن ان تكون اخباراً .
أم الإنشاء , بمعنى الدعاء , فتفسيره من الله سبحانه وتعالى عدة اطروحات :
الأطروحة الاولى : انه نحو من اساليب البلاغة . فانه كما يستعمله المخلوق يمكن ان يستعمله الخالق .
الأطروحة
الثانية : انه دعاء لنفسه بأن يفعل . فكل فاعل اختياري يمكن ان يأمر نفسه
اختيارا او حقيقة , او باعتبار تنزيل الشخص الواحد منزلة شخصين .
الأطروحة
الثالثة : ان بعض الاسماء الحسنى تدعو بعضاً . فكما ان رحمته تقدمت على
غضبه أي انها تذهب بالغضب ام تكميلا او تنقيضا .فكذا الحكمة تدعو(( ذو
الانتقام ))لأن مقتضى الحكمة الانتقام منه . وهكذا .
الأطروحة الربعة : انه انشاء بمنزلة التنبؤ .
فان قلت : ان التنبؤ يكون للمستقبل . فيدل عليه الفعل المضارع . فلماذا عبر عنه بالماضي ؟
قلت : هذا الأسلوب متكرر كثير اً في الأسلوب القرآني . وهو تنزيل ما هو مستقبل منزلة ماهو ماضي . لعدة أهداف :
اولا : لأهميته .
ثانياً : للتأكيد على وقوعه .
ثالثاً : للتأكد من حدوثه والفراغ منه .
واما اذا أريد بها الأخبار , كما هو الأقرب فهنا وجوه :
اولًأ :انها اخبار عن الآخرة . فيكون بمعنى المضارع , كما سبق .
ثانياً : انها إخبار عن الدنيا . يعني انه قد هلك في نفس فعله باعتبار كونه قد فعل القبيح .
ثالثاً
: ان الاظهر هو النظر الى نتائج الفعل . وهو الرسوب في الامتحان الالهي
وهو الهلاك المعنوي الحاصل فعلا وهو على معنى الفعل الماضي .
وهذه الاحتمالات , تاتي في كلا الفعلين : تبت يدا أبي لهب وتب . وهي في الثاني أوضح .
وفرقه عن السابق : ان في الآخرة عقابه , واما في لدنيا فيراد به أحد أمرين :
الامر الأول : نفس عصيانه . فتبت أي عصت يدا ابي لهب وعصى هو ايضاً , فنفس العصيان هو الهلاك , او يلحظ بضفته علة تامة للهلاك .
الامر الثاني :ان يراد بلهلاك الاثر الوضعي لايذاء الرسول (ص) وهو يحصل في الدنيا .وهو تعبير اخر عن الفشل في الامتحان الالهي .
سؤال :ما المقصود من حرف ((ما )) في قوله تعالى : مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ؟
الجواب
:قال ابو البقاء العكبري (1) : مَا أَغْنَى ( وان يكون استفهاما ) أي
أستفهاماً استنكارياللاستهزاء .بمعنى هل اغنى عنه ماله وما كسب ( ولا يكون
بعنى الذي ) فيكون المعنى : الذي أغنى ماله وما كسب , فيتحول النفي الى
اثبات .فيفسد السياق ويكون قطعي البطلان .
سؤال : لماذا استعمل ((ما )9 بدلا عن ((من )) ؟
......................................
(1) ج20 , ص 159 .
فان قلت :ان في ذلك احتقاراً له , باعتباره كالحيوانات .
قلت : ان هذا مطعون كبرى وصغرى :
اما
كبرى :فلعدم امكان اعادة الضمير او اسم الموصول مجازاً , فان هذا غير
مقبول لغوياً . واما الصغرى : فلاننا لو تنزلنا عن ذلك وقبلنا به مجازاً
.فالقرائن المتحققة بخلافه . لأنه صيصبح اسم الموصولاثباتاً . كما ذكرنا .
فصونا لكلام الحكيم عن اللغوية , يتعين ان لا تكون ((ما )) موصوله . ومعه
لامعنى لا ستعمال ((من )) بدلا عنها .
وقوله تعالى :
(وَامْرَأَتُهُ)اما عطف مفرد على مفرد . فتكون لفظاً افراديا معطوفا على
الضمير في سيصلى . أي هو سيصلى ., واما عطف جملة على جملة , كما سيأتي
بيانه .
وقوله تعالى :حمالة فيها قراءتان .بالنصب وهو الأشر وبالرفع .
فعلى
الرفع تكون خبراً لمبتدأ محذوف تقديره هي . وبالنصب تكون حالا من ((امرأته
)) والمعنى ان وصفها وحالها في الدنيا او في الاخرة , على هذا الشكل . أي
حمالة الحطب .
اما في الدنيا فواضح . واما في الآخرة فله وجهان :
الأول
: ما ذكره العكبري بقوله 01) : ويقرأ بالنصب على الحال , أي تصلى النار
مقولا لها ذلك . اقول :الظاهر ان مراده ليس النطق بل الصدق .
الثاني :انها تحشر الى جهنم ,وقد كانت في الدنيا حملة الحطب .
وقوله تعالى : في جيدها :جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم . وحبل مبتدأ مؤخر .
وهي جملة مستقلة بتقدير حرف العطف .أي انها حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد . وهذا الواو .اما يكون للعطف أو للحالية .
فان
قلت : ان الجار والمجرور سيتعلق بفعل محذوف تقديره (( ستصلى )) وهو غير
مقبول نحوياً .مع العلم ان الجار والمجرور في قولنا : زيد في الدار , ايضا
يتعلق بمحذوف باجماع النحويين .فلماذا لا نقبل ذاك المحذوف ؟
قلت : ان هذا قابل للمناقشة صغرويا وكبرويا :
اما
صغرويا :فن هنالك فرقا بين الجملتين من ناحية التقدير فان التقدير في
قولنا : زيد الدار هو كائن او مستقر . وهو اسم افرادي . بينما في هذه
الجملة من السورة الشريفة , هو جملة .لانها ((ستصلى )) مقدرة . فاذا جاز
التقدير في اللفظ الافرادي , فانه لا يعني الجواز في المعنى التركيبي .
واما
كبرويا : فنقول : :انه بالامكان الاستغناء عن التقدير حتى في الخير , كزيد
في الدار .فإن الكون والاستقرار ماخوذ بالدلالة الالتزامية من الجار
والمجرور . فزيد لا يكون في الدار .الا اذا كان كائنا ومستقراً فيه . اذن
يمكن اعتبار الجار والمجرور بنفسه خبراً بدون تقدير .
فان قلت : هذا
بالنسبة الى الجمل السمية , ولكنه ينقض بالجمل الفعلية كما في قولنا :صعدت
على السطح على السطح فان الجار والمجرور لا بد ان يتعلق بالفعل المنطوق ,
وهو صعدت .
وهذا قابل من وجهين :
اولا : انه اذا كان الفعل منطوقا
فلا باس ان يتعلق به الجار والمجرور , واما اذا كان مقدرا فلا حاجة الى
التعلق به , لان التقدير على خلاف الأصل , وعلى خلاف الفهم العرفي .
ثانيا:
انه لا حاجة حتى الى التعلق بالفعل المطوق .فأن (صعدت ) لها معنى .
والسياق يدلنا على الصعود ان على السطح ,وكون الجار والمجرور متعلقا بهذا
الفعل , بالمعنى المكيكانيكي النحوي . ليس ضروريا البتة .
هذا كله في الحديث , على تقدير عطف المفرد على المفرد في قوله تعالى : وَامْرَأَتُهُ .
واما اذا كان عطف جملة على جملة . فما هو مدخول الواو ؟
أما حمالة بالنصب . فامرأته مبتدأ , وفي جيدها الخبر . او ان الخبر هو الحبل او هو جملة :حبل من مسد .
واما حمالة بالرفع : فتكون هي الخبر , ويكون (( في جيدها )) اما نعت او حال .
سؤال : ما الحاجة الى ذكر قوله تعالى : وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . مع ان الناس كانوا يعلمون ذلك ؟
جوابه من وجوه :
اولاً : ان المراد بهذا الخبر هو زيادة الازدراء بابي لهب . بانه يصلى ناراً ذات لهب . وهو ايضا متزوج من امرأة حقيرة وحطابة .
ثانيا: انه هالك في الآخرة , ومتزوج من إمرأة مؤذية للرسول (ص) . لانه كان راضيا بفعلها .
ثالثاً : انه سيصلى ناراً ذات لهب في الآخرة , وامرأته تحشر الى جهنم على هذه الحالة الموصوفة . او هي في كلا الدارين كذلك .
...................................................
(1)نفس المصدر والصفحة .
وكل هذه المعاني يمكن ان تكون صحيحة .
سؤال : لماذا قال : حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ . ولم يقل : حبل مسد . مع انه كافٍ في بيان المعنى ؟
جوابه : ان كلا الامرين جائز في اللغة ,ولكنه متعين في السياق القرآني , لان فيه حفظا له . وبدونه يكون السياق فاسدا كما هو واضح .
هذا اذا كان المسد بمعنى الليف .
اما
اذا كان بمعنى الفتل . فانه يجوز كلا الامرين : وجود ( من ) ودمها . نقول
: حبل فتل او حبل من فتل . وتقول : حبل مفتول , وفي حالة اسم المفعول هذا
يتعين حذف من . وحيث انها مستعملة في الآية الكريمة ,اذن نعرف بالقياس
الاستثنائي ام مسد ليست الحبل المفتول
نعود الى فكرة عطف الجملة على الجملة في قوله : وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ .
أي
وفي جيدها . الواو عاطفية بين الجملتين , وهي الاستئنافية في إصطلاحهم .
فتكون امرأته مبتدأ وحمالة – بالرفع – خبره . وفي جيدها حبل من مسد . نعت
او حال .
اما اذا نصبنا (( حمالة )) كما هو المشهور . فتكون حالا ,
ويكون الخبر هو الجار والمجرور . وقوله : حبل من مسد . أي هو حبل من مسد .
ولكن ذلك مرجوح .
والافضل ان يكون حبل من مسد جملة ابتدائية : مبيتدأ وخبر تقع خبراً لأمرأته فيكون الخبر جملة بدلا ان يكون مفرداً .
(تمت هذه السورة والحمد لله رب العالمين ., وارجوا المتابعة معنا في السورة القادمة إن شاء الله .)

المدير العام
Admin

عدد المساهمات : 45
تاريخ التسجيل : 30/01/2011
الموقع : zahraalight.mam9.com

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://zahraalight.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى